العيني

220

عمدة القاري

أي : هذا باب في بيان قول الرجل للشيء الموجود : ليس بشيء ، والحال أنه ينوي أنه ليس بحق ، وهذا غالباً يكون مبالغة في النفي كما يقال لمن عمل عملاً غير متقن : ما عملت شيئاً ، أو قال قولاً غير سديد : ما قلت شيئاً ، وليس هذا بكذب . وقال ابنُ عَباسٍ رضي الله عنهما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْقَبْرَيْنِ : يُعَذَّبانِ بِلا كَبير ، وإنَّهُ لَكَبِيرٌ مطابقته للترجمة من حيث إن قوله : بلا كبير ، نفي وقوله : ( وإنه لكبير ) ، إثبات فكأنه قول للشيء : ليس بشيء ، وهذا تعليق مر في كتاب الطهارة موصولاً بتمامه وهو : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال : إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ، ثم قال : بلى يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول ، وأما الآخر فكان يمشي في النميمة أي : ليس التحرز عنهما بشاق عليكم وهو عظيم عند الله ، عز وجل ، وقد مرت مباحثه هناك . 6213 حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلامٍ أخبرنا مَخْلَدُ بنُ يَزيدَ أخبَرنا ابنُ جُرَيْجٍ قال ابنُ شِهابٍ : أخبرني يَحْياى بنُ عُرْوَةَ أنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ يَقُولُ : قالَتْ عائِشَةُ : سألَ أُناسٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، عَنِ الكُهَّانِ فقال لَهُمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : لَيْسُوا بِشَيْءٍ . قالوا : يا رسولَ الله ! فإنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أحْياناً بالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : تلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُها الجِنِّيُّ فَيَقُرُّها في أذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجاجَةِ فَيَخْلِطُونَ فِيها أكْثَرَ مِنْ مائَةِ كَذْبَةٍ . مطابقته للترجمة في قوله : ( ليسوا بشيء ) قال الخطابي : أي : فيما يتعاطونه من علم الغيب ، أي : ليس قولهم بشيء صحيح يعتمد كما يعتمد قول النبي الذي يخبر عن الوحي . ومخلد بفتح الميم واللام بينهما خاء مساكنة ابن يزيد من الزيادة وابن جريج عبد الملك ابن عبد العزيز بن جريج ، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري ، ويحيى بن عروة بن الزبير بن العوام . ومضى الحديث في كتاب الطب في : باب الكهانة فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله عن هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن يحيى بن عروة . . . إلى آخره ، ومضى الكلام فيه . قوله : ( يكون حقاً ) أي : واقعاً موجوداً . قوله : ( فيقرها ) بفتح القاف وضم الراء . قوله : ( قر الدجاجة ) أي : كقر الدجاجة والقر ترديدك الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه ، تقول : قررته فيه أقره قراً ، وقر الدجاجة صوتها إذا قطعته يقال : قرت تقرّ قرأ وقريراً فإن رددته قلت : قر قرت قرقرة ، وفي ( الصحاح ) : قر الحديث في أذنه يقره : صبه فيها ، وضبطه بضم القاف ، وقال ابن الأثير : ويروى : فيقذفها موضع : فيقرها ، وقال الكرماني : والدجاجة بفتح الدال . قلت : ذكر ابن السكت الكسر أيضاً ، وقال الكرماني : ولعل الصواب قر الزجاجة بالزاي ليلائم معنى القارورة الذي في الحديث الآخر . قلت : قال ابن الأثير : ويروى كقر الزجاجة بالزاي ، أي : كصوتها إذا صب فيها الماء . قلت : حينئذٍ لا فائدة في قول الكرماني : ولعل الصواب ، ولو اطلع على هذا لم يقل هكذا بكلمة : لعل . قوله : ( فيها ) أي : في الكلمة الحق ، أي : الواقع . 118 ( ( بابُ رَفْعِ البَصَرِ إلى السَّماءِ ) ) أي : هذا باب في بيان جواز رفع البصر إلى السماء . وفيه الرد على من قال : لا ينبغي النظر إلى السماء تخشعاً وتذللاً لله تعالى وهو بعض الزهاد ، وروى عن عطاء السلمي أنه مكث أربعين سنة لا ينظر إلى السماء ، فحانت منه نظرة فخر مغشياً عليه فأصابه فتق في بطنه ، وذكر الطبري عن إبراهيم التيمي أنه كره أن يرفع البصر إلى السماء في الدعاء ، وإنما نهى عن ذلك المصلي في دعاء كان أو غيره ، كما تقدم في كتاب الصلاة عن أنس رفعه : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة ؟ فاشتد قوله في ذلك حتى قال : لينتهين عن ذلك أو ليخطفن أبصارهم ، وفي رواية مسلم عن جابر نحوه ، وفي رواية ابن ماجة عن ابن عمر نحوه ، وقال : أن تلتمع ، وصححه ابن حبان . وقَوْلِهِ تعالى : * ( ( 88 ) أفلا ينظرون إلى . . كيف رفعت ) * ( الغاشية : 17 18 )